أرتيفو… حين يصبح الفن قرارًا فكريًا لا عنصرًا تجميليًا
لقاء معمّق مع أوسان غداف – المؤسس والمدير الإبداعي لشركة أرتيفو للاستشارات الفنية – ضمن حملة إنجازات
في المدن التي تنمو بسرعة، غالبًا ما يُختزل الفن في دوره الجمالي، ويُستخدم كعنصر تزييني يُضاف في المراحل الأخيرة من المشروع. لكن في قطر، حيث تحوّلت الثقافة إلى ركيزة من ركائز التنمية، بدأ سؤال جديد يفرض نفسه:
كيف يمكن للفن أن يكون جزءًا من القرار، لا مجرد نتيجة له؟
من هذا السؤال انطلقت أرتيفو للاستشارات الفنية — شركة لا تتعامل مع الفن بوصفه منتجًا، بل باعتباره فكرة، موقفًا، ورؤية قادرة على تحويل المساحات إلى تجارب إنسانية ذات معنى.
في هذا اللقاء، لا نبحث عن تعريفات جاهزة، بل نقترب من عقل وفلسفة أوسان غداف، المؤسس والمدير الإبداعي لأرتيفو، لنفهم كيف يُصاغ الفن عندما يصبح جزءًا من هوية المكان، ولماذا ترى أرتيفو أن الاستشارة الفنية قرار استراتيجي لا يقل أهمية عن التصميم أو التخطيط العمراني.
لنبدأ من سؤال قد لا يُطرح كثيرًا… لماذا احتاج السوق إلى شركة مثل أرتيفو؟
أوسان غداف:
“لأن الفن كان يُعامل كخطوة أخيرة.
في كثير من المشاريع، يُنجز التصميم، تُبنى المساحات، ثم يُطرح سؤال: ماذا نضع على الجدران؟
نحن رأينا أن هذا السؤال متأخر جدًا.
أرتيفو وُجدت لأننا نؤمن أن الفن يجب أن يكون حاضرًا منذ اللحظة الأولى، عند صياغة فكرة المشروع نفسها. الفن ليس ديكورًا، بل أداة تفكير، وأحيانًا أداة تصحيح لمسار التصميم. عندما يُفهم بهذه الطريقة، يتغيّر كل شيء.”
ما الفرق الجوهري بين “تنسيق الأعمال الفنية” و”الاستشارة الفنية” كما تفهمونها؟
أوسان غداف:
“الفرق هو العمق.
تنسيق الأعمال الفنية يركّز على الاختيار.
الاستشارة الفنية تركز على السبب.
نحن لا نسأل: هل هذا العمل جميل؟
نسأل: هل هذا العمل ينتمي إلى هذا المكان؟
هل يعبّر عن هويته؟
هل سيظل مفهومًا بعد عشر سنوات؟
الاستشارة الفنية تعني أنك تتحمل مسؤولية فكرية وثقافية، لا فقط جمالية.”
أرتيفو مرّت بتحوّل من Atkya Art إلى Artevo Consulting… ماذا تغيّر فعليًا؟
أوسان غداف:
“تغيّر منظورنا لدورنا.
Atkya Art كانت تشتغل على الإنتاج والتنفيذ، لكن مع الوقت وجدنا أنفسنا نُسأل عن الرؤية، عن الفكرة، عن القصة… وليس فقط عن القطعة الفنية.
Artevo كانت نتيجة طبيعية لهذا التحوّل.
أصبحنا شركاء في القرار، لا مزوّد خدمة.
أصبحنا نُسأل: كيف يجب أن يشعر الإنسان هنا؟ وليس فقط: كيف يجب أن يبدو المكان؟”
كثير من مشاريعكم مرتبطة بقطر وهويتها… كيف تتعاملون مع هذا البعد دون الوقوع في المباشرة أو التكرار؟
أوسان غداف:
“الهوية ليست رموزًا تُكرّر.
هي طبقات من الذاكرة، الجغرافيا، التاريخ، والعلاقات الإنسانية.
في قطر، نحاول دائمًا أن نذهب إلى الجوهر، لا الشكل.
أحيانًا يكون التعبير عن الهوية في المادة،
أحيانًا في الفراغ،
وأحيانًا في الصمت الذي يتركه العمل الفني.
العمل الجيد لا يشرح نفسه… بل يُشعِر.”

كيف تختارون الفنانين؟ وما طبيعة العلاقة بينهم وبين أرتيفو؟
أوسان غداف:
“نختار الفنان الذي يستطيع أن يسمع قبل أن يرسم.
العلاقة ليست تعاقدية فقط، بل فكرية.
نحن نضع الإطار، السياق، والقيود — والفنان يملأ هذا الإطار بروحه.
أفضل المشاريع هي تلك التي يخرج منها الفنان مختلفًا، ونخرج نحن أكثر فهمًا للمكان.”
تعملون في مجالات متعددة داخل الاستشارات الفنية… ما الذي يميز أرتيفو فعليًا عن غيرها؟ وأين تكمن ميزتكم التنافسية؟
أوسان غداف:
“الميزة الحقيقية لأرتيفو لا تكمن في تعدد أنشطتها، بل في طريقة ربط هذه الأنشطة ببعضها.
نحن لا نفصل بين الاستشارة، الإنتاج، والتنفيذ، بل ننظر إليها كمسار واحد متكامل يبدأ بالفكرة وينتهي بالتجربة.
ما يميزنا أيضًا هو قدرتنا على العمل على مستويات مختلفة: من مشاريع سيادية وثقافية كبرى، إلى مساحات تجارية وخاصة، مع الحفاظ على نفس العمق الفكري والاحترام للمكان.
نحن لا نبيع حلولًا جاهزة، بل نبني حلولًا مخصّصة، وهذا ما يجعل كل مشروع يحمل هوية خاصة، ولا يشبه غيره.”
مشاريعكم تمتد من الفنادق إلى المؤسسات السيادية… كيف تحافظون على الاتساق دون أن تفقدوا الخصوصية؟
أوسان غداف:
“الاتساق لا يعني التكرار.
كل مشروع له لغته، جمهوره، ووزنه الرمزي.
ما يبقى ثابتًا هو منهجية التفكير،
أما النتيجة، فيجب أن تكون دائمًا مختلفة.
إذا شعرت أن عملين متشابهين… فهذا فشل بالنسبة لنا.”

بمناسبة اليوم الوطني… كيف ترى دور الفن في مشروع الدولة الحديثة؟
أوسان غداف:
“الدول تُبنى بالبنية التحتية… لكنها تُحفظ بالثقافة.
الفن هو الذاكرة البصرية لأي مشروع وطني.
في قطر، هناك وعي واضح بأن الفن ليس ترفًا، بل جزء من صورة الدولة أمام نفسها وأمام العالم.
أن تكون جزءًا من هذا الوعي مسؤولية كبيرة، ونحن نتعامل معها بجدية كاملة.”
و ما الرسالة التي تحب أرتيفو أن توجهها اليوم، ليس كجهة فنية فقط، بل كجزء من المشهد الثقافي في قطر؟
أوسان غداف:
“رسالتنا في اليوم الوطني بسيطة وعميقة في الوقت نفسه:
أن الثقافة ليست مكمّلًا للمسيرة، بل جزء أصيل منها.
نحن نؤمن أن ما يُبنى اليوم في قطر لن يُقاس فقط بجودته الهندسية، بل بقدرته على أن يحمل معنى، وأن يعكس وعي المجتمع وهويته. الفن قادر على حفظ هذه الذاكرة، وعلى تحويل الإنجاز المادي إلى تجربة إنسانية باقية.
وفي أرتيفو، نعتبر أنفسنا شركاء في هذه الرسالة، نعمل بصمت، لكن بأثر طويل المدى
اليوم الوطني بالنسبة لنا ليس مجرد مناسبة للاحتفال، بل لحظة تأمل في ما تحقق، ومسؤولية تجاه ما هو قادم. قطر قدّمت نموذجًا يؤمن بالثقافة كجزء من بناء الدولة، ونحن نرى أن دورنا هو أن نكون جزءًا من هذه الرؤية، من خلال أعمال تترك أثرًا يتجاوز الشكل إلى المعنى.”
سؤال شخصي… ما أكثر لحظة شعرت فيها أن أرتيفو تسير في الطريق الصحيح؟
أوسان غداف:
“عندما بدأ العملاء يسألوننا متى يجب أن نُدخل أرتيفو في المشروع؟
وليس هل نحتاج إلى فن؟
هذا التحوّل في السؤال كان أهم إنجاز.”
لا تقدّم أرتيفو للاستشارات الفنية حلولًا جاهزة، ولا تبحث عن الإبهار السريع.
هي شركة تعمل في المنطقة التي لا تُرى بسهولة:
منطقة المعنى، والذاكرة، والتجربة الإنسانية.
وفي يوم وطني يحتفي بالإنجاز، تذكّرنا أرتيفو بأن بعض الإنجازات لا تُقاس بالحجم…
بل بالأثر الذي يتركه المكان في من يمرّ به.

